السيد علي عاشور

15

موسوعة أهل البيت ( ع )

لوصمة تسم بالصغار من شرفه خدودا وجباها ، وقد كان أكثر هؤلاء المخرجين لقتاله قد شايعوه وكاتبوه وطاوعوه وبايعوه وسألوه القدوم عليهم ليبايعوه ، فلما جاءهم كذّبوه ما وعدوه ، وأنكروه وجحدوه ومالوا إلى السحت العاجل فعبدوه ، وخرجوا إلى قتاله رغبة في عطاء ابن زياد فقصدوه ، فنصب عليه السّلام نفسه وإخوته وأهله وكانوا نيفا وثمانين لمحاربتهم واختاروا بأجمعهم القتل على متابعتهم ، ليزيد ومبايعتهم ، فاعلقتهم الفجرة الطغاة ، وأرهقتهم المردة اللئام ، ورشقتهم النبال والسهام ، وأوثقتهم من شبا شفارهم الكلام . هذا والحسين عليه السّلام ثابت لا تخف حصاة شجاعته ، ولا تخف عزيمة شهامته ، وقدمه في المعترك أرسى من الجبال ، وقلبه لا يضطرب لهول القتال ، ولا لقتل الرجال ، وقد قتل قومه من جموع ابن زياد جمعا جما ، وأذاقوهم من الحمية الهاشمية رهقا وكلما ، ولم يقتل من العصابة الهاشمية قتيل حتى أثخن في قاصديه وقتل واغمد ظبة في أبشارهم وجدل فحينئذ تكالبت طغام الأجناد على الجلاد ، وتناشبت الأجلاد في المنازلة بالحداد ، ووثبت كثرة الألوف منهم على قلة الآحاد ، وتقاربت من الأنوف الهاشمية الآجال المحتومة على العباد ، فاستبقت الأملاك البررة إلى الأرواح وباء الفجرة بالآثام في الأجساد ، فسقطت أشلاؤهم المتلاشية على الأرض صرعى تصافح منها صعيدا ، ونطقت حالهم بأنّ لقتلهم يوما تود لو أنّ بينها وبين قتلهم أمدا بعيدا ، وتحققت النفوس المطمئنة باللّه كون الظالم والمظلوم شقيا وسعيدا ، وضاقت الأرض بما رحبت على حرم الحسين عليه السّلام وأطفاله إذ بقي وحيدا ، فلمّا رأى عليه السّلام وحدته ، ورزء أسرته وفقد نصرته ، تقدم على فرسه إلى القوم حتى واجههم وقال لهم : يا أهل الكوفة قبحا لكم وتعسا حين إستصرختمونا ولهين فأتيناكم موجفين ، فشحذتم علينا سيفا كان في أيماننا وحششتم علينا نارا نحن أضرمناها على أعدائكم وأعدائنا فأصبحتم ألبا على أوليائكم ويدا لأعدائكم من غير عدل أفشوه فيكم ولا ذنب كان منا إليكم فلكم الويلات هلّا إذ ( كرهتموها تركتموها ) « 1 » والسيف ماشيم والجاش ماطاش والرأي لما يستحصد ولكنكم أسرعتم إلى بيعتنا إسراع الدبا وتهافتم إليها كتهافت الفراش ثم نقضتموها سفها وضلّة وفتكا لطواغيت الأمة وبقية الأحزاب ونبذة الكتاب ثم أنتم هؤلاء تتخاذلون عنا وتقتلونا ألا لعنة اللّه على الظالمين ( الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) * . ثم حرك فرسه إليهم والسيف مصلت في يده وهو آيس من نفسه عازم على الموت وقال هذه الأبيات : أنا ابن علي الخير من آل هاشم * كفاني بهذا مفخرا حين أفخر وجدي رسول اللّه أكرم من مشى * ونحن بسراج اللّه في الخلق يزهر

--> ( 1 ) في كشف الغمة : تركتمونا .